الشيخ الطوسي
536
التبيان في تفسير القرآن
ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال " فمنهم مهتد " إلى طريق الحق واتباعه " وكثير منهم فاسقون " أي خارجون عن طاعة الله إلى ذل معصيته . ثم اخبر تعالى إنه قفى على آثار من ذكرهم برسل أخر إلى قوم آخرين . والتقفية جعل الشئ في أثر الشئ على الاستمرار فيه ، ولهذا قيل لمقاطع الشعر قوافي إذا كانت تتبع البيت على أثره مستمرة في غيره على منهاجه ، فكأنه قال : وأنفذنا بعدهم بالرسل رسولا بعد رسولهم " وقفينا بعيسى بن مريم " بعدهم " وآتيناه " أي أعطينا عيسى ابن مريم " الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة " وقيل في معناه قولان : أحدهما - إنه جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة بالامر به والترغيب فيه . ثم أخبر انه رزق الرأفة والرحمة . قال أبو زيد : يقال رؤفت بالرجل ورأفت به رأفة - بفتح الهمزة ، وسكونها - . الثاني - إنه خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة . وإنما مدحهم على ذلك ، لأنهم تعرضوا لهما . وقوله " ورهبانية ابتدعوها " يعني ابتدعوا الرهبانية ابتدعوها وهي الخصلة عن العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسه أو انفراده عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبها . ومعنى الآية ابتدعوا رهبانية لم تكتب عليهم . ثم قال " ما كتبناها عليهم " الرهبانية " إلا ابتغاء رضوان الله " فالثانية غير الأولى إلا أنه لما اتفق الاسمان فيهما كنى عنهما بما تقدم ، وقام إعادة لفظهما مقامهما كما قال حسان : أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ( 1 ) فالتقدير ومن يمدحه . والابتداع ابتداء أمر لم يجد فيه على مثال . والبدعة
--> ( 1 ) مر في 1 / 410 و 8 / 198